بقرار سيادي حاسم.. العراق يعيد ضبط معادلة الأمن ويفكك “قنبلة” 140 جنسية

زقورة نيوز/ خاص
في توقيت حساس يشهد فيه العراق تقلبات إقليمية مستمرة وانهيارات مفاجئة في مناطق السيطرة على المعتقلين الإرهابيين شمال شرقي سوريا، اتخذت بغداد خطوة سيادية تؤكد قدرتها على إدارة الملفات الأمنية المعقدة وحماية سيادتها، وان عملية نقل معتقلي تنظيم داعش الارهابي إلى العراق ليست مجرد تحرك أمني تقليدي، بل تمثل إعادة ضبط لمعادلة الأمن الوطني، وهي تجمع بين الجاهزية العسكرية، الحسم القضائي، والبعد السياسي والدبلوماسي، في وقت يعاني فيه المحيط الإقليمي من هشاشة مؤسسات الاحتجاز وتهديدات أمنية متزايدة.
وتكشف هذه الخطوة، التي رافقتها إشادات برلمانية ودعم سياسي واسع، عن إدراك واضح لدى الدولة العراقية بأن حماية الأمن القومي تبدأ من الداخل، وأن التعامل مع الإرهابيين ضمن بيئة محكومة ومراقبة هو السبيل الأمثل لمنع إعادة تدوير التهديدات، وجمع معلومات استخبارية دقيقة، وضمان محاسبة عادلة لكل من يثبت تورطه بالجرائم الإرهابية، بغض النظر عن جنسيته.
البعد السياسي والدولي
في هذا السياق، شدد رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني على أن خطوة نقل عناصر داعش الارهابي بشكل مؤقت إلى السجون العراقية تأتي للحفاظ على الأمن الوطني العراقي وأمن المنطقة على حد سواء، داعياً الدول المعنية إلى تسلم مواطنيها وتقديمهم إلى المحاكمات لينالوا جزاءهم العادل.
وتعد هذه الخطوة رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة بأن العراق شريك فاعل في مكافحة الإرهاب، وليس ساحة لتكديس نتائجه، في وقت يرفض عدد من الدول، خاصة الأوروبية، استعادة رعاياها المنخرطين في التنظيم، ما دفع بغداد إلى تبني خيار الحسم القضائي الداخلي مع التأكيد على مسؤولية المجتمع الدولي
خطوة سيادية لتعزيز الأمن القومي
يشير مسؤولون عراقيون إلى أن عملية نقل معتقلي تنظيم داعش الارهابي من سوريا إلى العراق تمثل خطوة استثنائية تجمع بين البعد الأمني والسيادة الوطنية، وقد شملت المرحلة الأولى نقل نحو 150 معتقلا، مع توقع وصول العدد الإجمالي إلى حوالي 7000 معتقل في مراحل لاحقة، بعد الانهيار السريع لقوات سوريا الديمقراطية شمال شرق سوريا، حيث أصبحت مراكز الاحتجاز هناك هشة ومرشحة لإعادة تدوير التهديد.
ويعتبر العراق احتضان هذا الملف جزءا من استراتيجيته للسيطرة على مناطق التهديد وإغلاق ثغرات أمنية كانت تستغل من قبل التنظيم، وضمان عدم استخدام المعتقلين كورقة ضغط إقليمي، في ظل تعقيدات المشهد الأمني شمال شرقي سوريا وتراجع قدرة الجهات المحلية هناك على ضبط مراكز الاحتجاز.
البرلمان يثمن قدرات الاجهزة الأمنية
اوضح النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان الدليمي، ان مجلس النواب يثق بقدرات الاجهزة الامنية في تأمين الحدود، داعياً إلى تعاون دولي في ملف السجناء الإرهابيين، مبينا أن السلطة التشريعية استمعت إلى إحاطة أمنية شاملة قدمها وزير الدفاع وقادة الأجهزة الأمنية، تناولت تطورات الأوضاع في الساحة السورية ومستوى الجاهزية الأمنية على الشريط الحدودي، مشيراً إلى أن المؤشرات مطمئنة وتعكس ثقة عالية بكفاءة القوات الأمنية في مواجهة أي مخاطر محتملة.
وفي السياق ذاته اكد رئيس كتلة الاعمار والتنمية النيابية بهاء الاعرجي دعم كتلته للحكومة الحالية والمقبلة في إدارة البلاد ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية مستقرة والحدود مؤمنة بالكامل، نافياً ما يثار حول تأثر الوضع الأمني في العراق بالأحداث الجارية في سوريا، وداعياً المواطنين إلى عدم الانجرار وراء الشائعات.
الإطار القانوني وإجراءات محاكمات المعتقلين
وحول ملف نقل المعتقلين، بيّن الاعرجي أن القرار اتخذ بالتشاور مع جميع الكتل السياسية ويعد قرارا استراتيجيا يقتضيه المصلحة الوطنية للسيطرة عليهم وتقديمهم إلى القضاء، كاشفاً أن عدد العراقيين بينهم يبلغ 1700 معتقل، فيما ينتمي الباقون إلى 140 جنسية مختلفة.
وأضاف أن الحكومة أودعتهم في سجون محصنة، وأن مجلس القضاء الأعلى شكل لجنة للتحقيق معهم تضم 10 قضاة، مشدداً على أن الكتلة ستدعم إجراءات محاكمتهم لضمان سرعتها وانزال العقوبات العادلة بحقهم.
كما أكد مجلس القضاء الأعلى أن جميع المعتقلين سيكونون تحت رقابة القضاء الوطني، مع ضمان محاكمتهم وفق التشريعات العراقية التي تتيح ملاحقة كل من يثبت تورطه بتهديد الأمن الوطني، بغض النظر عن جنسيته، ما يمنح العملية غطاءً رسمياً ويحولها من مخاطرة أمنية محتملة إلى إجراء سيادي منظم.
التحديات والتهديدات الأمنية
ويقر خبراء بوجود تحديات تتعلق بالاكتظاظ في السجون والمخاوف من الخروقات أثناء النقل والاحتجاز، إلا أن التعامل مع المعتقلين داخل بيئة خاضعة للسيطرة العراقية يعد أقل كلفة ومخاطرة من تركهم في مناطق رخوة أمنياً، كما يتيح نقل المعتقلين فرصة جمع معلومات استخبارية دقيقة عن شبكات التنظيم ومتابعة أي خلايا نائمة، بما يعزز قدرة الدولة على منع عودة الإرهاب وتفكيك بنيته الداخلية.
خلاصة: حماية سيادة الدولة وأمنها
يمثل نقل معتقلي داعش مزيجاً من الاستراتيجية الأمنية والحسم القضائي والسيادة الوطنية، ويظهر العراق كدولة قادرة على إدارة أحد أخطر ملفات ما بعد الحرب، مع تثبيت ثقة البرلمان بالأجهزة الأمنية ودعم الحكومة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وإرسال رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن حماية الأمن القومي تبدأ من الداخل.



