مسارات التطبيع الموصدة مع بغداد

عادل الجبوري
كان من الطبيعي جدا أن يثير كلام بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، الكاردينال لويس ساكو حول التطبيع، خلال مراسم قداس أعياد ميلاد السيد المسيح بكنيسة “مار يوسف” ببغداد قبل بضعة أيام، عاصفة غضب ورفض واستياء لم تتوقف، رغم البيان التوضيحي الذي أصدره التحالف المسيحي بهذا الشأن، والذي اكد فيه أن كلام الكاردينال، تم تفسيره وتأويله خلافا لما أراد غبطته التأكيد عليه في سياق ديني-ثقافي، بعيدا عن أي هدف أو موقف سياسي معين.
ولعل ردود الأفعال الرافضة والغاضبة والمستاءة مما ورد على لسان الكاردينال ساكو، جاءت منسجمة تماما مع كمّ تأريخي كبير من المواقف العراقية ضد الكيان الصهيوني، منذ تأسيسه عام 1948، وحتى معركة “طوفان الأقصى” التي اندلعت في السابع من تشرين الأول 2023، بكل تداعياتها واسقاطاتها وتبعاتها.
فالعراق عبر مؤسساته السياسية ومرجعياته الدينية ونخبه الاجتماعية والثقافية، لم يتبنّ في كل المراحل أي مظهر من مظاهر التطبيع مع “إسرائيل”، ودوره الفاعل والإيجابي في مختلف الحروب العربية-الإسرائيلية، وفتاوى مراجع الدين بدعم وإسناد نضال الشعب الفلسطيني، وحضور فلسطين وتضحيات أبنائها في شتى المحافل السياسية الإعلامية والثقافية والأكاديمية العراقية، تثبت وتؤكد جوهر وطبيعة وصلابة المواقف المبدئية العراقية.
وإذا كانت هناك توجهات متعاطفة لهذا الطرف أو ذاك حيال “إسرائيل”، فإنها كانت في واقع الأمر خجولة وخفية، بحيث يتجنّب أصحابها الإفصاح عنها والاعتراف بها علناً، كما هي الحال بالنسبة إلى بعض الشخصيات العراقية، التي زارت تل أبيب تحت جنح الظلام، أو الأطراف السياسية التي مدّت خيوط علاقات مع “إسرائيل” منذ عقود من الزمن، وعملت على تهيئة وتوفير مواطئ قدم لها على الأرض العراقية.
وقد يكون الموقف الأبرز والأكثر وضوحا في السياق والمسار الرافض، هو “قانون تجريم التطبيع”، المصوت عليه من قبل مجلس النواب في السادس والعشرين من أيار 2022، الذي كان بمثابة ضربة قاصمة لتل أبيب وحلفائها وأصدقائها، ومجمل مشاريع التطبيع، التي بدا أنها تحركت بوتيرة متسارعة خلال الأعوام القلائل الماضية، وكان مأمولاً منها ومخططاً لها أن تخترق أسوار العراق، لتصل إلى أعماق بغداد والنجف والبصرة وذي قار والأنبار وأربيل، والمدن الأخرى.
وقانون تجريم التطبيع بمواده العشر، رسم الخطوط الحمر بصورة جلية للغاية فيما يرتبط بأي شكل من أشكال العلاقات والتواصل مع “إسرائيل”، سواء من قبل المؤسسات السياسية الرسمية للدولة، أو من قبل المؤسسات والمنظمات والشركات غير الرسمية، فضلاً عن الأشخاص العراقيين وغير العراقيين المقيمين في البلاد. واختصرت السلطة التشريعية موجبات سن ذلك القانون بـ”بغية المحافظة على المبادئ الوطنية والإسلامية والإنسانية في العراق، ونظراً إلى الخطورة الكبيرة التي تترتب على التطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل، أو الترويج له أو التخابر معه، أو إقامة أي علاقة معه، وقطع الطريق أمام كل من يريد إقامة أي نوع من أنواع العلاقات مع الكيان الصهيوني المحتل، ووضع عقاب رادع بحقهم، والحفاظ على وحدة الصف بين أبناء الشعب وهويته الوطنية والإسلامية”.
وقبل ذلك، فإن المادة 201 من قانون العقوبات العراقي النافذ في عام 1969، نصت على أنه، “يعاقب بالإعدام كل من حبّذ أو روج مبادئ صهيونیة، بما في ذلك الماسونية، أو انتسب إلى أي من مؤسساتها، أو ساعدها مادياً أو أدبیاً، أو عمل بأيِّ كیفیة كانت لتحقیق أغراضه”.
والأمر اللافت والمهم، تمثل في أن أعضاء البرلمان العراقي بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية والقومية والدينية والمذهبية والطائفية والمناطقية، أدلوا بأصواتهم لصالح قانون تجريم التطبيع مع تل أبيب، رغم الاختلافات والتقاطعات الكثيرة فيما بينهم بشأن العديد من الملفات والقضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب التفاعل والترحيب الواسع من قبل شتى الفئات والشرائح والنخب والمحافل الاجتماعية والفكرية والثقافية، فضلاً عن وسائل الإعلام المتنوعة.
وما هو مهم للغاية، هو أن حيثيات قانون تجريم التطبيع، مثلت نسفاً لكل الجهود والمساعي والتحركات الإسرائيلية بطابعها السياسي والاجتماعي والثقافي، الرامية إلى اختراق بنية المجتمع العراقي، سواء عبر القنوات السياسية غير الرسمية، أو وسائل الإعلام المرئية، أو منصات التواصل الاجتماعي، أو الخلايا الاستخبارية، أو كل تلك الوسائل والأدوات مجتمعة تحت عنوان الحرب الناعمة.
ولا شك ان الكيان الصهيوني وجد خلال العقدين الأخيرين، ان الظروف مواتية أكثر من أي وقت مضى لتحقيق اختراقات في العراق، عبر مساري التجسس والتطبيع؛ فالاحتلال الأميركي بعد إطاحة نظام صدام في ربيع عام 2003، وضعف منظومات الحكم والتناحر السياسي والإرهاب والمشكلات والأزمات الاقتصادية والحياتية، واتساع نطاق ثورة المعلوماتية والاتصال، كانت كلها عوامل ساهمت إلى حد كبير في تمكين “إسرائيل” من الحصول على مواطئ قدم في بعض مفاصل الحياة العراقية، من دون أن تكون هناك مخاطر وتبعات كبيرة.
وربما كانت بعض -أو أغلب- بوابات التطبيع الإسرائيلي مع العراق هي ذاتها قنوات التجسس عليه. وقد كشفت فضيحة برنامج “بيغاسوس” التجسسي، التي تفجَّرت صيف عام 2021، حقائق مهمة وخطرة للغاية حيال أطراف وشخصيات عربية كثيرة، كان العراق جزءاً منها.
وبقدر ما كان الكيان الصهيوني ومعه قوى غربية، يعوّل كثيراً على إدخال العراق في دائرة التطبيع، بل وأكثر من ذلك، اعتباره المفتاح والمدخل الأساسي لكل المشاريع والمخططات المندرجة تحت مفردة التطبيع، لأسباب وعوامل تاريخية وجيوسياسية واقتصادية وثقافية، بقدر ما كان العراق بقواه السياسية الوطنية، وفاعلياته المجتمعية المختلفة، يعزز ويقوي جبهة مناهضة التطبيع، عبر تكريس مواقفه، وترسيخ ثوابته المبدئية في هذا المجال.
وأغلب الظن أن ذلك وغيره، ربما لم يكن خافيا، أو بعيدا عن اذهان غبطة الكاردينال ساكو حينما ارتقى منصة الخطابة في كنيسة “مار يوسف”، عشية أعياد الميلاد.



